الشيخ محمد هادي معرفة
312
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وفي هذا الكلام إهانة بموضع الشافعيّ ، وفرضه فيمن لا يُعتَدّ بشأنهم . قلت : لا شكّ أنّ استدلال الشافعيّ هنا ضعيف ؛ إذ كثير من المحرّمات حرّمن المحلّات ، كما في مسألة اللواط يُحَرّم أُخته وأُمّه وبنته على اللاطي ، وكالعقد على المعتدّة والدخول بها ، والزنى بذات البعل . وحديث « الحرام لا يُحرّم الحلال » وارد فيمن أُحلّ له فرْج ثمّ زنى بأُمّها أو بنتها « 1 » فهو ناظر إلى السابق ، أي الحلال الفعليّ لا الحلال الشأنيّ . ومن الغريب أنّ الشافعيّ هنا أخذ بالقياس مع الفارق . * * * وهكذا أخذ عليه الذهبيّ ميله إلى مذهب الاعتزال ، وكذا تحامله على معاوية . أمّا ميله إلى الاعتزال فلأنّه نفى إمكان رؤيته تعالى ، وحمله أخبار الرؤية على العلم لو صحّت « 2 » . قلت : وهذا من كمال فضله ؛ حيث حكّم العقل على النقل ، وهو دأب المحصّلين . وأمّا تحامله على معاوية فمن ثبات عقيدته وصلابته في دينه . إنّ معاوية بغى على إمام زمانه وخرج عليه بالسيف ، فعلى كلّ مسلم منابذته والتحامل عليه بالسيف ، فضلًا عن اللسان والسكوت في ذلك مراوغة خبيثة . يقول الذهبيّ : إنّنا نلاحظ على الجصّاص أنّه تبدو منه البغضاء لمعاوية ، ويتأثّر بذلك في تفسيره ، فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى : « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ - إلى قوله - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ » « 3 » يقول : وهذه صفة الخلفاء الراشدين الذين مكّنهم اللّه في الأرض . . . وفيه الدلالة الواضحة على صحّة إمامتهم ؛ لإخبار اللّه تعالى بأنّهم إذا مُكّنوا في الأرض أقاموا بفروض اللّه عليهم ، وقد
--> ( 1 ) - . راجع : العروة الوثقى ، المسألة 28 من أحكام المصاهرة . ( 2 ) - . أحكام القرآن للجصّاص ، ج 3 ، ص 4 - 5 . ( 3 ) - . الحجّ 39 : 22 - 41 .